تصور الإنسان عن نفسه
أثقل حمل نحمله معنا في رحلة الحياة هو التصورات التي نكوّنها عن أنفسنا. فالجدران التي نبنيها في أذهاننا حول من نحن، وما يمكننا تحقيقه، أو ما لن نستطيع فعله أبدًا، هي أقوى من جميع العوائق الموجودة في العالم الخارجي. لقد شاهدت آلاف القصص الإنسانية، وفي كل مرة كنت أواجه الحقيقة المذهلة نفسها: إن تصور الإنسان لنفسه لا يعكس دائمًا الحقيقة الكاملة. أحيانًا، عندما ننظر إلى أنفسنا، لا نرى سوى نواقصنا وأخطائنا والأمور التي لم نتمكن من بلوغها بعد. في حين أن هذه الزاوية النظر تشبه النظر إلى غرفة صغيرة مظلمة في قصر ضخم، ثم إعلان أن القصر بأكمله أصبح خرابًا. إذا كنت تعد عيوبك كلما نظرت إلى المرآة، فهذا يعني أنك تقع في فخ تلك الوهم الكبير الذي يخلقه عقلك لك.
قد تصبح أقوى قوة في المستقبل
ومن أجمل أسرار الحياة ما يلي: الإنسان كائن ديناميكي يتغير باستمرار عبر الزمان والمكان. فالصفة التي تراها اليوم عيبًا في نفسك، أو تعتبرها نقطة ضعف، أو تقلل من شأنها، قد تتحول في الوقت المناسب والمكان المناسب إلى إحدى أقوى نقاط قوتك.
على سبيل المثال، قد ترى نفسك شخصًا ضعيفًا لأنك تمتلك قلبًا حساسًا للغاية؛ لكن سيأتي يوم تُقيم فيه، بفضل تلك الحساسية، روابط عميقة لم يستطع أحد غيرك إقامتها، وتصبح قائدًا رائعًا أو صديقًا فريدًا من نوعه. قد تنتقد نفسك اليوم لأنك تعتقد أنك تتحرك ببطء بسبب اهتمامك الشديد بالتفاصيل؛ لكن غدًا، سيصبح هذا الاهتمام بالتفاصيل أقوى جانب فيك يقودك إلى الكمال في أكبر مشروع في حياتك. المهم هو ألا ترفض ما بداخلك، بل أن تعرف كيف تعالجه بأوامر ذهنية. قد يبدو الماس الخام للوهلة الأولى مجرد حجر عادي. ما يجعله ثمينًا هو صقله بالزاوية الصحيحة. عليك أنت أيضًا أن تتعلم صقل نفسك في ذهنك بالزاوية الصحيحة.
في انتظار الكشف
لا تقيم نفسك بناءً على حالتك الحالية فحسب. ففي داخلك، هناك نسخة منك لم تتعرف عليها بعد. تلك النسخة هي أنت: الذي تغلبت على مخاوفك، وتتمتع بثقة عالية بنفسك، وتعرف ما تريد، وتخلصت من أعباء الماضي، وأصبحت سيد أوامرك الذهنية. ذلك الشخص ليس في مكان بعيد، بل هو في داخلك الآن، ينتظر أن يظهر.
عندما تزرع بذرة في التربة، لا تنظر إليها فقط في شكلها الجاف والصغير في تلك اللحظة وتقول: «لن يصبح من هذه البذرة شيء». فأنت تعلم أنه عندما تلتقي بالتربة المناسبة والماء المناسب والشمس، ستظهر الإمكانات الهائلة الكامنة فيها لتصبح شجرة بلوط عملاقة. وهكذا هو العقل البشري أيضًا. فإذا حكمت على نفسك فقط بناءً على ما تعانيه اليوم من عوائق، أو مخاوفك الحالية، أو وضعك الاقتصادي والاجتماعي الحالي، فإنك بذلك تظلم شجرة البلوط الكامنة بداخلك.
يبدأ التغيير بتغيير نظرتك إلى نفسك. عندما تختار أن تتعامل مع نفسك برفق، وأن تنظر إلى أخطائك على أنها تجارب، والأهم من ذلك كله أن تصدر إلى عقلك أوامر جديدة وقوية وبناءة، فإن تلك النسخة الكامنة بداخلك ستظهر إلى النور خطوةً خطوةً. كلما آمنت بنفسك وغذّيت تلك الإمكانات الهائلة الكامنة في عقلك، ستفتح لك الحياة أبوابًا رائعة تتناسب مع تلك النسخة الجديدة منك.

